التفتازاني
59
شرح المقاصد
مكة ، فرده أبو جهل إلى عبد المطلب . وقيل : ضل في طريق الشام حين خرج به أبو طالب . وبالجملة لا دلالة على العصيان ، والميل عن طريق الحق . ولذا قال : ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى « 1 » وقوله : وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ « 2 » . ثم لما كان يثقل عليه ، ويغمه من فرطاته قبل النبوة ، أو من جهله بالشرائع والأحكام ، أو من تهالكه على إسلام أولي العناد وتلهفه . وقوله : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ « 3 » . تلطف في الخطاب ، وعتاب على ترك الأفضل ، وإرشاد إلى الاحتياط في تدبيره الخيرات . قوله : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى . . إلى قوله : لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ . « 4 » عتاب على ترك الأفضل ، وهو أن لا يرضى باختيار الصحابة الفداء . وكذا الكلام في قوله : لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ « 5 » وقوله تعالى : عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى « 6 » . وما روي من أنه قرأ بعد قوله : أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى « 7 » « تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتها لترتجى » فلما أخبره جبريل بما وقع منه ، حزن وخاف خوفا شديدا ، فنزل قوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ « 8 » . تسلية له . فالجواب : أنه كان من إلقاء الشيطان ، لا تعمدا منه . وقيل : بل الغرانيق هي الملائكة . وكان هذا قرآنا فنسخ . وقيل : معنى تمنى النبي حديث النفس . وكان الشيطان يوسوس إليه غير الهدى ، فينسخ اللّه وساوسه من نفسه ، ويهديه إلى الصواب .
--> ( 1 ) سورة النجم آية رقم 2 . ( 2 ) سورة الشرح آية رقم 2 . ( 3 ) سورة التوبة آية رقم 43 . ( 4 ) سورة الأنفال آية رقم 67 . ( 5 ) سورة التحريم آية رقم 1 . ( 6 ) سورة عبس آية رقم 1 ، 2 . ( 7 ) سورة النجم آية رقم 19 ، 20 . ( 8 ) سورة الحج آية رقم 52 .